محمد أبو زهرة

1794

زهرة التفاسير

تعالى : وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) [ الإسراء ] » وقوله تعالى : أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت ) . ويظهر أن مادة ( حصر ) تكون من باب نصر ومن باب فرح ، وإذا كانت من باب نصر تكون دالة على التضييق على الغير تضييقا حسيا ، وإن كانت من باب فرح تكون لازمة ودالة على ضيق النفس . والمعنى على هذا أن هؤلاء ضاقت نفوسهم ، وصاروا في حرج لا يستطيعون قتال المسلمين ، ولا يستطيعون قتال أقوامهم ، فهؤلاء مسالمون ، لأن الله كفى المؤمنين أمرهم ، ولأنهم لا يعدون منافقين ، ولقد حرض الله سبحانه المؤمنين على مسالمتهم رغبة في السلام ، فقال سبحانه : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ أي أنه من رحمة الله بكم أن قلل أعداءكم ، وأضعف شأن الذين يقاتلونكم ، بأن يخرج من بين صفوفهم من يسالمونكم ، وإن الله ناصركم في هذا بأمرين : بتقوية جمعكم ، وإضعاف شأن عدوكم ، ولو شاء سبحانه أن يكونوا جميعا عليكم ولا يخرج منهم من يسالمكم ، وجعل أولئك الذين يمدون يد السلام مسلطين عليكم بالقتل والقتال ، لكان ذلك ، وليس في مصلحتكم ، فاختاروا ما أمركم الله به ، وهو مسالمة أولئك الذين يسالمونكم ، وقد خرجوا من بين أقوامهم . ولقد أكد سبحانه هذا المعنى بقوله تعالى : فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي فاقبلوا من هؤلاء المسالمة ، إن اعتزلوا قتالكم ، ولم يكونوا مع أعدائكم عليكم ، ولم يريدوا أيضا أن يكونوا معكم على أقوامهم ، وألقوا إليكم السلام غير معاندين ، ولا مخالفين ، فاقبلوا ذلك منهم ، ولا تحاربوهم ؛ لأنهم لا يقاتلونكم ولا يؤلبون عليكم ، ولا يعتدون ، والله تعالى يقول : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) [ البقرة ] ، وما داموا لا يقاتلون لا يحل قتالهم ، وإلا كنا معتدين . والقتال في الإسلام شرع